عليخان المدني الشيرازي

811

الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية

فهمه فلا يستحيل كما في قوله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ [ المائدة / 116 ] ، فهو استفهام حقيقيّ ، طلب به إقرار عيسى ( ع ) في ذلك المشهد العظيم بأنّه لم يقل ، ليحصل فهم النصارى ذلك ، فيتقرّر عندهم كذبهم فيما ادّعوه ، انتهى ، فتأمّل . ويرادف الاستفهام الاستخبار ، وقيل : الاستخبار ما سبق أوّلا ، ولم يفهم حقّ الفهم ، فإذا سئلت عنه ثانيا كان استفهاما ، حكاه ابن فارس « 1 » في فقه اللغة ، والهمزة أصل أدواته ، وما عداها نائب عنها ، قاله ابن مالك في المصباح . فيطلب « بها » أي الهمزة « التصور » أي إدراك غير النسبة ، و « التصديق » أي إدارك وقوع النسبة ، وهو التصديق الإيجابيّ ، أولا وقوعها ، وهو التصديق السلبيّ ، فطلب تصوّر المسند إليه ، « نحو : أزيد في الدار أم عمرو ، وأدبس « 2 » في الإناء أم عسل ، فإنّك عالم بكون شخص في الدار وشيء في الإناء ، وإنّما تطلب تعيينه ، وطلب تصوّر المسند نحو : أفي الدار زيد أم في السوق ، وأفي الخابية « 3 » دبسك أم في الزّق « 4 » ، فإنّك تعلم بأنّ زيدا محكوم عليه بالكينونة في الدار أو في السوق ، وأنّ الدبس محكوم عليه بالكينونة في الخابية أو الزّق ، وإنّما المطلوب تعيين ذلك . هذا قول الجمهور ، وقال السّيّد الشريف : القول بأنّ الهمزة في مثل قولك : أدبس في الأناء أم عسل ؟ لطلب تصوّر المسند إليه أو المسند أو غيرهما مبنيّ على الظاهر توسّعا ، والتحقيق أنّها لطلب التصديق أيضا ، فإنّ السائل قد تصوّر الدبس والعسل بوجه ، وبعد الجواب لم يزد له في تصوّرهما شيء أصلا ، بل بقي تصوّرهما على ما كان ، فإن قيل : التصديق حاصل له حال السؤال ، فكيف يطلب ؟ أجيب بأنّ الحاصل هو التصديق بأنّ أحدهما لا بعينه في الإناء ، والمطلوب بالسؤال هو التصديق « 5 » بأنّ أحدهما بعينه فيه ، وهذان التصديقان مختلفان بلا اشتباه ، إلا أنّه لمّا كان الاختلاف بينهما باعتبار تعيّن المسند إليه في أحدهما وعدم تعيّنه في الآخر ، وكان أصل التصديق حاصلا ، توسّعوا ، فحكموا بأنّ التصديق حاصل ، وأنّ المطلوب هو تصوّر المسند إليه أو المسند قيد من قيوده ، انتهى . وطلب التصديق نحو : أقام زيد ؟ وأزيد قائم ؟ فإنّك عالم بأنّ بينهما نسبة إمّا بالإيجاب أو السلب وتطلب تعيينهما ، ولعلّ المصنّف إنّما لم يمثّل للتصديق نظرا إلى ذلك التحقيق ، فتأمّل .

--> ( 1 ) - أحمد بن فارس من أئمة اللغة والأدب ، من تصانيفه « مقاييس اللغة » « المحمل » « الصاحبي في فقه اللغة » له شعر حسن ، مات سنة 395 ه ، الأعلام للرزكلي 1 / 184 . ( 2 ) - الدبس : عسل التمر . ( 3 ) - الخابية : وعاء الماء الّذي يحفظ فيه ( ج ) الخوابي . ( 4 ) - الزق : وعاء من جلد يجز شعره ولا ينتف للشراب وغيره ( ج ) أزقاق . ( 5 ) - سقطت « المطلوب بالسؤال هو التصديق » في « ح » .